عبد الملك الجويني
393
نهاية المطلب في دراية المذهب
فأما ما لا يفتقر إلى الإشهادِ ، فينقسم إلى ما يتطرق إليه التعليق بالإغرار ، وإلى ما لا يقبل ذلك : فأمَّا ما يكون مضمونه قابلاً للإغرار ، فيصح العقد فيه بالكنايات مع النياتِ ، كالخلع وعقود العتاقة ، والصلح عن الدم . وقد قال الشافعي رحمة الله عليه : إذا قال لامرأته : أنت بائنٌ بألفٍ ، فقالت : قبلتُ ونويا ، وقع الطلاق مبيناً ، وصح الخلع . وأما العقود التي لا يقبل مقصودُها التعليقَ ولا يشتَرط فيها الإشهاد ، ففي انعقادِها بالكنايات وجهان مشهوران : أحدهما - الانعقاد كالخلع وما في معناه ، وكالألفاظ الفردةِ التي لا تفتقر إلى جواب . والوجه الثاني - أنها لا تصح ، فإن المخاطَبَ لا يدري بم خُوطب ، ولا يتأتى التخاطب بالكناياتِ ، كما لا يتأتى تحمّل الشهادة ، حيث تُشرط الشهادة في الكنايات . فهذا عقدُ هذه الجملة . 3315 - والذي أراه فيها أن قرائن الأحوال لا معتبر بها عندنا في التحاق الكنايات بالصرائح . حتى إذا قال الرجل في حال مسألة الطلاق وظهور مخايل إرادة الطلاق : أنتِ بائن . وقال : لم أُردِ الطلاق ، صُدِّق مع يمينه . خلافاً لأبي حنيفة ( 1 ) . ومجرد القرائن لا تصلح للعقود ، ولذلك لا نجعل المعاطاةَ بيعاً ، كما سيأتي شرح ذلك ، إن شاء الله عز وجل . وإذا فرض في العقد المفتقر إلى الإيجاب والقبول كناياتٌ ، وانضمَّت إليها قرائن الأحوال ، وترتب عليها التفاهم ، فيجب القطع بصحة العقد ؛ تعويلاً على التفاهم . ومَوضع خلاف الأصحابِ في انعدام قرائن الأحوال ، والظاهر أن لا عقدَ إذا لم يحصل التفاهم . فإن قيل : هلاّ انعقد النكاح بالكناية مع قرينة الحال إذا حضر الشهود ؟ قلنا : ما يتعلق بالجحود لا ينفع فيها قرينة الحال عندنا ، والغرض من حضور الشهود إثباتُ
--> ( 1 ) ر . فتح القدير : 3 / 400 ، البحر الرائق : 3 / 322 .